التقنية

من الاختبار إلى الإنفاق.. الذكاء الاصطناعي يقتحم ميزانيات الشركات

انتقل الذكاء الاصطناعي من كونه مجرد تقنية تخضع للتجربة داخل الشركات إلى بند رئيسي ضمن الإنفاق المؤسسي، ليطال هذا التحول قطاعات متنوعة تشمل البنوك والمصانع ومتاجر التجزئة، إضافة إلى الرعاية الصحية والبناء والضيافة.

وبحسب بيانات مؤشر “Ramp” الخاص بتتبع تبني أدوات الذكاء الاصطناعي، سجّلت الشركات خلال عام 2026 مستويات قياسية في الاعتماد على الأدوات المدفوعة لهذه التقنية، وهو ما يعكس اتساع نطاق استخدامها التجاري، وانتقالها التدريجي من مرحلة الاختبار إلى مرحلة أكثر رسوخاً ضمن العمليات اليومية للشركات.

وتتصدر شركات التكنولوجيا والإعلام قائمة القطاعات الأكثر إنفاقاً على أدوات الذكاء الاصطناعي، إذ باتت نسبة 80.6% منها تدفع فعلياً مقابل هذه الخدمات، وهي أعلى نسبة يسجلها المؤشر حتى الآن. غير أن الفجوة بين هذا القطاع وقطاع التمويل والتأمين تتقلص بوتيرة متسارعة، حيث ارتفعت نسبة الشركات المالية التي لديها اشتراكات مدفوعة في أدوات الذكاء الاصطناعي إلى 73.1%، مقارنة بنحو 60% فقط في ديسمبر 2025.

ويعكس هذا الارتفاع السريع توسّع استخدام الذكاء الاصطناعي في وظائف مالية جوهرية، تمتد من نمذجة المخاطر واكتشاف عمليات الاحتيال إلى تعزيز الامتثال التنظيمي، إذ تعتمد مؤسسات مالية كبرى، من بينها “جي بي مورغان تشيس” و”غولدمان ساكس” و”بنك أوف أمريكا”، على هذه الأدوات ضمن عملياتها، في ظل تزايد اعتماد القطاع المالي على التقنية لتحسين الكفاءة وتحليل البيانات وأتمتة العمليات.

وفي مؤشر لافت على اتساع رقعة الاستخدام، بلغت نسبة تبني الذكاء الاصطناعي في قطاع التصنيع 60.4%، وهو مستوى قياسي يجعل من هذا القطاع ثالث أكثر القطاعات اعتماداً على التقنية ضمن مؤشر “Ramp”، بعدما تضاعف هذا المعدل تقريباً منذ مطلع عام 2025. ويأتي قطاع التجزئة في مرتبة تالية، بعد أن ارتفع معدل تبنيه نحو 20 نقطة مئوية خلال الفترة ذاتها، ليصل إلى مستوى قياسي بلغ 49%.

كما امتد هذا الانتشار إلى قطاعات أخرى، حيث بلغت نسبة التبني 42.9% في الرعاية الصحية، و42% في قطاع البناء، و31.9% في خدمات الإقامة والطعام. ورغم أن هذه القطاعات لا تزال متأخرة عن قطاعي التكنولوجيا والتمويل بفارق واضح، فإن ارتفاع معدلات تبنيها يشير إلى انتقال تدريجي للذكاء الاصطناعي من القطاعات الأكثر ارتباطاً بالتكنولوجيا نحو قطاعات الاقتصاد التقليدي.

وتكتسب هذه الأرقام دلالة أعمق كونها لا تعكس مجرد اهتمام الشركات بالتقنية، بل استعدادها الفعلي للدفع مقابلها، وهو ما يشير إلى تحوّل الذكاء الاصطناعي من بند تجريبي إلى جزء أصيل من الإنفاق التشغيلي، بما قد يفتح الباب أمام دورة إنفاق أوسع تشمل البرمجيات والحوسبة السحابية ومراكز البيانات والرقائق والخوادم.

وفي السياق ذاته، أشارت كاثي وود، الرئيسة التنفيذية لشركة “ARK Invest”، إلى أن الطلب على عمليات الاستدلال بالذكاء الاصطناعي تضاعف 25 مرة خلال عام واحد، معتبرة أن هذا الاتجاه قادر على دفع نمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي للولايات المتحدة نحو معدلات من خانتين. وتظهر ملامح هذا الطلب بالفعل في نتائج الشركات المرتبطة بالبنية التحتية لهذه التقنية، إذ أعلنت شركة “فوكسكون”، الشريكة في تجميع خوادم “إنفيديا”، عن إيرادات قياسية بلغت 29.15 مليار دولار خلال أغسطس 2026، بارتفاع نسبته نحو 52% على أساس سنوي، عازيةً هذا الأداء إلى قوة الطلب على المنتجات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي.

زر الذهاب إلى الأعلى