المنوعاتحول العالم

أزمة مبابي أعادت الزمن 50 عاما.. لماذا يقدس الصينيون ماو تسي تونغ؟

لم يكن كيليان مبابي يتوقع، على الأرجح، أن تتحول صورة ساخرة تداولها مشجعو كرة القدم إلى أزمة تهدد علاقاته التجارية ومصالحه الاقتصادية في الصين، بعدما تحدث مهاجم ريال مدريد خلال مقابلة مصورة عن إحدى الصور التي يظهر فيها وجهه مركبا على جسد رجل وصفه بأنه “على ما أعتقد، ديكتاتور صيني”. ولم يذكر النجم الفرنسي اسم الرجل، لكن الصورة التي ظهرت في المقطع كانت للزعيم الصيني الراحل ماو تسي تونغ.

أثارت كلمات مبابي موجة من الغضب في الصين، دفعت شركات محلية إلى إنهاء شراكاتها التجارية معه، وأعقبها تعليق بث مباريات الدوري الإسباني عبر التلفزيون الرسمي، قبل أن يقدم اللاعب اعتذارا في 27 أكتوبر/تشرين الأول 2026، ويؤكد احترامه للشعب الصيني وتاريخه. لكن الاعتذار الذي تبعه اعتذارات وتوضيحات من الدوري الإسباني وريال مدريد لم ينه الجدل، وأعاد إلى الواجهة شخصية لا تزال صورتها تتصدر أشهر ميادين بكين بعد نصف قرن من وفاتها.
فمن هو ماو تسي تونغ الذي أثارت السخرية منه هذه العاصفة؟ وكيف يجتمع في سيرته تأسيس الجمهورية الشعبية واستعادة سيادة البلاد، ونشر التعليم وتوسيع الرعاية الصحية، مع سياسات ارتبطت بمجاعة أودت بحياة عشرات الملايين وحملات قمع سياسي وثورة ثقافية زلزلت أركان ووجدان المجتمع الصيني؟ وما الذي يقوله المؤرخون عن هذا الإرث، ولماذا ظل ماو يحتفظ بمكانته في الرواية الرسمية الصينية ووجدان قطاعات من الشعب رغم اعتراف الحزب الشيوعي نفسه بأخطائه الجسيمة؟

من قرية زراعية إلى قيادة الثورة الصينية
في 26 ديسمبر/كانون الأول 1893، ولد ماو تسي تونغ في قرية شاوشان بمقاطعة هونان، جنوبي الصين، لأسرة تعمل بالزراعة، في بلد كانت تتنازعه الأزمات السياسية والتدخلات الأجنبية، قبل أن تؤدي ثورة عام 1911 إلى الإطاحة بأسرة تشينغ الحاكمة وإنهاء النظام الإمبراطوري الذي استمر قرونا.
وقضى ماو سنوات شبابه متنقلا بين الدراسة والعمل والنشاط السياسي، وتأثر بالأفكار القومية والإصلاحية التي انتشرت بين المثقفين الصينيين، قبل أن يعتنق الماركسية ويشارك في تأسيس الحزب الشيوعي الصيني عام 1921، بعد عامين من اندلاع حركة الرابع من مايو/أيار، التي قادها طلاب ومثقفون احتجاجا على ما عدوه انتقاصا من سيادة بلادهم عقب الحرب العالمية الأولى.

وخلافا للتركيز التقليدي للفكر الماركسي على العمال الصناعيين، رأى ماو في الفلاحين القوة الاجتماعية الأقدر على حمل الثورة في الصين، حيث كانت الغالبية العظمى من السكان تعيش في الأرياف، وتعاني الفقر والتفاوت في ملكية الأراضي.
وتبلورت هذه القناعة خلال الصراع بين الشيوعيين وحزب الكومينتانغ القومي، بعدما تعرضت الحركة الشيوعية لحملات عسكرية دفعتها إلى إقامة قواعدها في المناطق الريفية، قبل أن تخوض قواتها “المسيرة الطويلة” بين عامي 1934 و1935، وهي رحلة انسحاب عسكري شاقة عززت مكانة ماو داخل الحزب.

ومع اندلاع الحرب الصينية اليابانية ثم استئناف الحرب الأهلية بين الشيوعيين والقوميين، تمكن ماو ورفاقه من توسيع نفوذهم العسكري والسياسي، مستفيدين من تنظيم القوات المسلحة وحشد السكان في المناطق الخاضعة لسيطرتهم.

وفي دراسة بعنوان “استعادة الثورة الصينية”، تتناول المؤرخة الأمريكية إليزابيث بيري، الأستاذة بجامعة هارفارد، تجربة الشيوعيين في مناجم أنيوان خلال عشرينيات القرن الماضي، وتوضح كيف ساعد تنظيم العمال وتوسيع فرص التعليم في كسب التأييد الشعبي، بما يكشف أن نجاح الحركة الشيوعية لم يقم على المواجهة العسكرية وحدها.

وفي الأول من أكتوبر/تشرين الأول 1949، اعتلى ماو منصة بوابة تيانانمن في بكين، وأعلن قيام جمهورية الصين الشعبية، بعدما انتصرت القوات الشيوعية في الحرب الأهلية، وانسحبت حكومة الكومينتانغ بقيادة تشيانغ كاي شيك إلى تايوان.

ومثّل إعلان الجمهورية نهاية مرحلة طويلة من الحروب والانقسامات في البر الرئيسي الصيني، وبداية حكم الحزب الشيوعي الذي لا يزال يحتفظ بالسلطة حتى اليوم، لكنه لم ينه الخلاف بشأن تايوان، التي استمرت فيها حكومة جمهورية الصين.

وقد رسخ هذا الانتصار مكانة ماو في الذاكرة الوطنية، خصوصا أن أجيالا من الصينيين عاشت حروب الأفيون والتدخلات الأجنبية والاحتلال الياباني والحرب الأهلية، لتصبح استعادة السيادة وإقامة حكومة مركزية موحدة جزءا أساسيا من الرواية التي قامت عليها شرعية النظام الجديد.

غير أن انتصار الثورة حمل معه تحديا آخر، فالقائد الذي أمضى عقودا في تنظيم المقاومة وخوض الحروب أصبح مسؤولا عن إدارة مجتمع واسع أنهكته الصراعات، وكان عليه أن يواجه مشكلات الفقر والأمية وضعف الخدمات، وأن يحول شعارات الثورة إلى سياسات تؤثر في حياة مئات الملايين.

كيف تغيرت حياة الصينيين في عهد ماو؟
ورثت الجمهورية الشعبية عام 1949 اقتصادا زراعيا ضعيفا، ومجتمعا يعاني تفاوتا شديدا في ملكية الأراضي وفرص التعليم والعلاج، إلى جانب الدمار الذي خلفته الحرب ضد اليابان والحرب الأهلية.
وتبلورت هذه القناعة خلال الصراع بين الشيوعيين وحزب الكومينتانغ القومي، بعدما تعرضت الحركة الشيوعية لحملات عسكرية دفعتها إلى إقامة قواعدها في المناطق الريفية، قبل أن تخوض قواتها “المسيرة الطويلة” بين عامي 1934 و1935، وهي رحلة انسحاب عسكري شاقة عززت مكانة ماو داخل الحزب.

ومع اندلاع الحرب الصينية اليابانية ثم استئناف الحرب الأهلية بين الشيوعيين والقوميين، تمكن ماو ورفاقه من توسيع نفوذهم العسكري والسياسي، مستفيدين من تنظيم القوات المسلحة وحشد السكان في المناطق الخاضعة لسيطرتهم.

وفي دراسة بعنوان “استعادة الثورة الصينية”، تتناول المؤرخة الأمريكية إليزابيث بيري، الأستاذة بجامعة هارفارد، تجربة الشيوعيين في مناجم أنيوان خلال عشرينيات القرن الماضي، وتوضح كيف ساعد تنظيم العمال وتوسيع فرص التعليم في كسب التأييد الشعبي، بما يكشف أن نجاح الحركة الشيوعية لم يقم على المواجهة العسكرية وحدها.

وفي الأول من أكتوبر/تشرين الأول 1949، اعتلى ماو منصة بوابة تيانانمن في بكين، وأعلن قيام جمهورية الصين الشعبية، بعدما انتصرت القوات الشيوعية في الحرب الأهلية، وانسحبت حكومة الكومينتانغ بقيادة تشيانغ كاي شيك إلى تايوان.

ومثّل إعلان الجمهورية نهاية مرحلة طويلة من الحروب والانقسامات في البر الرئيسي الصيني، وبداية حكم الحزب الشيوعي الذي لا يزال يحتفظ بالسلطة حتى اليوم، لكنه لم ينه الخلاف بشأن تايوان، التي استمرت فيها حكومة جمهورية الصين.

وقد رسخ هذا الانتصار مكانة ماو في الذاكرة الوطنية، خصوصا أن أجيالا من الصينيين عاشت حروب الأفيون والتدخلات الأجنبية والاحتلال الياباني والحرب الأهلية، لتصبح استعادة السيادة وإقامة حكومة مركزية موحدة جزءا أساسيا من الرواية التي قامت عليها شرعية النظام الجديد.

غير أن انتصار الثورة حمل معه تحديا آخر، فالقائد الذي أمضى عقودا في تنظيم المقاومة وخوض الحروب أصبح مسؤولا عن إدارة مجتمع واسع أنهكته الصراعات، وكان عليه أن يواجه مشكلات الفقر والأمية وضعف الخدمات، وأن يحول شعارات الثورة إلى سياسات تؤثر في حياة مئات الملايين.

كيف تغيرت حياة الصينيين في عهد ماو؟
ورثت الجمهورية الشعبية عام 1949 اقتصادا زراعيا ضعيفا، ومجتمعا يعاني تفاوتا شديدا في ملكية الأراضي وفرص التعليم والعلاج، إلى جانب الدمار الذي خلفته الحرب ضد اليابان والحرب الأهلية.

غير أن هذه النتائج لا تعني أن الأوضاع الصحية تحسنت باستمرار خلال سنوات حكم ماو، فقد شهد متوسط العمر المتوقع تراجعا حادا أثناء المجاعة الكبرى بين عامي 1959 و1961، قبل أن يستأنف ارتفاعه في السنوات التالية، كما أن الدراسة تمتد إلى عام 1980، أي بعد وفاة الزعيم الصيني بأربع سنوات.

وتكشف هذه الأرقام عن جانب مهم من تاريخ الجمهورية الشعبية، فقد شهدت البلاد توسعا في الخدمات العامة وتغييرات اجتماعية أثرت في حياة ملايين الأسر، بينما ظل النظام السياسي قائما على احتكار الحزب الشيوعي للسلطة، وفرض قيود صارمة على المعارضة، وهو ما ظهرت نتائجه بوضوح عندما بدأت القيادة تواجه انتقادات لسياساتها.

دعا المثقفين إلى النقد ثم عاقبهم
في عام 1956، شجع ماو المثقفين والأكاديميين على التعبير عن آرائهم بشأن أداء الحزب الشيوعي، في حملة عرفت باسم “المئة زهرة”، مستعيرا شعارا يدعو إلى ازدهار مئة زهرة وتنافس مئة مدرسة فكرية.

واتسعت الدعوة خلال ربيع 1957، وبدأت الصحف والجامعات تشهد نقاشات تناولت امتيازات المسؤولين والفساد والتدخل الحزبي في المؤسسات التعليمية والثقافية، قبل أن تصل بعض الانتقادات إلى احتكار الحزب للسلطة.

لكن الانفتاح لم يستمر طويلا، إذ أطلقت القيادة الشيوعية في يونيو/حزيران 1957 حملة ضد من وصفتهم باليمينيين، واستهدفت موظفين ومثقفين وكتابا وأكاديميين شاركوا في توجيه النقد، وتعرض كثير منهم للفصل من وظائفهم أو الاعتقال أو الإرسال إلى معسكرات العمل.
واختلف الباحثون بشأن نية ماو الأصلية من دعوة المثقفين إلى النقد، فبينما يرى بعضهم أن الحملة استهدفت الكشف عن المعارضين، يعتقد آخرون أن القيادة فوجئت باتساع الاعتراضات وخشيت خروج النقاش عن سيطرتها.

ويعرض المؤرخ موريس مايسنر هذه المرحلة في كتابه “الصين في عهد ماو وما بعده”، الذي صدرت طبعته الثالثة عام 1999، ضمن صراع أوسع بشأن حدود الحرية السياسية ودور الحزب في المجتمع الاشتراكي.

لكن الخلاف بشأن الدوافع لا يغير النتيجة التي انتهت إليها الحملة، بعدما تعرض أشخاص استجابوا لدعوة السلطة إلى النقد لعقوبات قاسية، وأسهمت التجربة في ترسيخ الخوف من الاعتراض على القرارات الصادرة عن القيادة العليا.

ولم تمض سوى أشهر حتى شرع ماو في تنفيذ مشروع اقتصادي واسع، كان يفترض أن يسرع تقدم البلاد نحو التصنيع، لكنه تحول إلى واحدة من أكبر الكوارث الإنسانية في تاريخ القرن العشرين.

القفزة الكبرى إلى الأمام.. لماذا مات الملايين جوعا؟
في عام 1958، أطلق ماو حملة “القفزة الكبرى إلى الأمام”، واضعا هدفا يتمثل في تسريع التصنيع وزيادة الإنتاج الزراعي خلال فترة قصيرة، حتى تتمكن الصين من تضييق الفجوة الاقتصادية مع الدول الصناعية.

ولتحقيق ذلك، جمعت السلطات المزارعين في وحدات إنتاج جماعية كبيرة عرفت باسم “الكومونات الشعبية”، ودفعت أعدادا واسعة من سكان الريف إلى مشروعات صناعية، بينها أفران بدائية لصهر الحديد، بينما فرضت على المسؤولين المحليين أهدافا مرتفعة للإنتاج.

وسرعان ما ظهرت اختلالات كبيرة في تنفيذ الخطة، فقد بالغ بعض المسؤولين في تقدير المحاصيل، وتواصل جمع الحبوب لمصلحة الدولة وفق أرقام لم تكن تعكس الكميات المنتجة فعليا، في وقت تراجعت فيه قدرة الأسر الزراعية على الاحتفاظ بالغذاء.

وتفاقمت الأزمة مع انخفاض الإنتاج واضطراب توزيع المحاصيل، وبدأت المجاعة تنتشر في مناطق واسعة من البلاد، ولا سيما الأرياف، حيث عانى السكان نقصا حادا في الطعام بين عامي 1959 و1961.

ويختلف الباحثون في تقدير العدد الدقيق للضحايا بسبب محدودية البيانات التاريخية واختلاف طرق حساب الوفيات الزائدة، أي الوفيات التي تجاوزت المعدلات المتوقعة في الظروف المعتادة.

فقدّر الباحثون باسيل أشتون وكينيث هيل وآلان بياتزا وروبن زايتز، في دراسة سكانية نشرت عام 1984، عدد الوفيات الزائدة بنحو 30 مليون شخص، بينما رفع الصحفي والباحث الصيني يانغ جيشنغ التقدير إلى نحو 36 مليونا في كتابه “شاهد القبر”، الذي استند فيه إلى وثائق وشهادات جمعها خلال سنوات من البحث.

وفي دراسة بعنوان “الأسباب المؤسسية للمجاعة الكبرى في الصين بين عامي 1959 و1961″، نشرتها مجلة “مراجعة الدراسات الاقتصادية” عام 2015، يستعرض الباحثون شين منغ ونانسي تشيان وبيير ياريد تقديرات تتراوح بين 16.5 و45 مليون وفاة.

لكن أهمية الدراسة لا تقتصر على أعداد الضحايا، إذ تبحث في الأسباب التي جعلت بعض المناطق المنتجة لكميات كبيرة من الغذاء تسجل معدلات وفاة مرتفعة، وهي مفارقة ساعدت الباحثين على تحديد أثر سياسات جمع الحبوب وتوزيعها.

وخلص الباحثون إلى أن النظام الحكومي لجمع المحاصيل كان يفرض على المناطق الأعلى إنتاجا تسليم حصص كبيرة من الحبوب، دون أن يتكيف بالسرعة اللازمة مع تراجع الإنتاج، وهو ما أسهم في حرمان سكان بعض الأرياف من الغذاء رغم استمرار توريد المحاصيل إلى الدولة.

وتشير هذه النتائج إلى أن المجاعة لم تكن مجرد نتيجة لانخفاض الإنتاج أو سوء الأحوال الطبيعية، بل أسهمت فيها قرارات اقتصادية وإدارية اتخذتها الدولة، وفاقم آثارها ضعف تدفق المعلومات الدقيقة وصعوبة مراجعة السياسات.

وقد ظهرت حدود النقد داخل القيادة عندما عارض وزير الدفاع بنغ دهواي سياسات “القفزة الكبرى” خلال اجتماع حزبي عام 1959، فتعرض للإقصاء واتُّهم بالانتهازية اليمينية، في خطوة أضعفت إمكان تصحيح الأخطاء خلال مرحلة كانت فيها المجاعة تتفاقم.
لكن ماو رأى في هذه التوجهات خطرا على المشروع الاشتراكي، وحذر من تنامي نفوذ من اعتبرهم مؤيدين للرأسمالية داخل الحزب، قبل أن يطلق عام 1966 ما عرف باسم “الثورة الثقافية البروليتارية الكبرى”.

وشجع الزعيم الصيني الطلاب والشباب على مواجهة المسؤولين والمثقفين الذين اتُّهموا بمعاداة الثورة، فتشكلت جماعات “الحرس الأحمر”، وشاركت في حملات تشهير وعنف استهدفت أساتذة جامعات وكتابا وفنانين ومسؤولين حكوميين.

وشهدت الجامعات والمدارس والمؤسسات الرسمية جلسات إذلال علنية، عُلقت خلالها لافتات على أعناق أشخاص اتُّهموا بالانتماء إلى طبقات معادية للثورة، وتعرض بعضهم للضرب والاعتقال، بينما طالت حملات التطهير قادة بارزين داخل الحزب نفسه.

وكان من أبرز الضحايا ليو شاوتشي، الذي أُقصي من مناصبه وتعرض للاضطهاد السياسي، قبل أن يتوفى في الحبس عام 1969، بعدما كان واحدا من أهم قادة الدولة التي أسسها ماو.

ومع تصاعد الصراعات بين الجماعات المتنافسة، تدخل الجيش لإعادة فرض السيطرة في مناطق مختلفة، ورافقت تدخله حملات قمع واسعة، مما جعل العنف خلال الثورة الثقافية يتخذ أشكالا مختلفة باختلاف المرحلة والجهات التي نفذته.

وفي دراسة بعنوان “التمرد والقمع في الصين بين عامي 1966 و1971″، نشرت عام 2014 في مجلة “تاريخ العلوم الاجتماعية”، حلل المؤرخ أندرو والدر، الأستاذ بجامعة ستانفورد، سجلات تاريخية من 2213 مقاطعة ومدينة صينية لتقدير حجم العنف السياسي خلال السنوات الخمس الأولى من الثورة الثقافية.

وخلص والدر إلى أن الوفيات المرتبطة بالاضطرابات والقمع خلال تلك الفترة تراوحت بين 1.1 و1.6 مليون شخص، بينما تعرض ما بين 22 و30 مليون شخص لأشكال مختلفة من الاضطهاد السياسي المباشر.

وأشار الباحث إلى أن معظم الوفيات التي أمكن تقديرها ارتبطت بالقمع الذي مارسته السلطات، وليس بأعمال الجماعات المتمردة وحدها، وهو ما يوضح أن المسؤولية عن العنف لا يمكن حصرها في جماعات الحرس الأحمر.

وامتدت الثورة الثقافية، بمراحلها المختلفة، حتى وفاة ماو في 9 سبتمبر/أيلول 1976، قبل أن تنتهي رسميا في الشهر التالي بعد اعتقال المجموعة القيادية التي عرفت باسم “عصابة الأربعة”، وضمت جيانغ تشينغ، زوجة ماو.

وقد خلّفت تلك السنوات اضطرابات واسعة في مؤسسات الدولة والتعليم والاقتصاد، وأدت إلى صراعات داخل الحزب، قبل أن تبدأ القيادة الجديدة مراجعة السياسات التي حكمت البلاد خلال العقد السابق.

كيف يقرأ المؤرخون إرث ماو؟
لا يقوم الخلاف بين المؤرخين على حقيقة وقوع المجاعة أو الثورة الثقافية أو حملات القمع، فهذه أحداث موثقة في الدراسات الأكاديمية والوثائق الصينية، وإنما يتعلق تفسيرها بالأسباب التي قادت إليها، وحجم مسؤولية ماو الشخصية مقارنة بمسؤولية المؤسسات والقيادات الأخرى، فضلا عن كيفية تقييم التحولات الاجتماعية والاقتصادية خلال حكمه.

وفي كتابه “الصين في عهد ماو.. ثورة انحرفت عن مسارها”، الصادر عن مطبعة جامعة هارفارد عام 2015، يرى المؤرخ أندرو والدر أن النظام الذي بناه الحزب الشيوعي بعد عام 1949 جمع بين جهاز حزبي شديد الانضباط واقتصاد مركزي مستوحى من النموذج السوفييتي.

ويذهب والدر إلى أن هذا النظام أتاح تعبئة الموارد وإعادة تنظيم المجتمع، لكنه منح القيادة أيضا أدوات واسعة لفرض سياسات اقتصادية وسياسية غير واقعية، وعندما تدخل ماو لتغيير عمل المؤسسات القائمة، أسهمت قراراته في وقوع المجاعة واضطرابات الثورة الثقافية.

أما المؤرخ موريس مايسنر، فيتناول في كتابه “الصين في عهد ماو وما بعده”، التناقض بين طموح ماو إلى بناء مجتمع أكثر مساواة والنتائج التي آلت إليها سياساته، مع اهتمام أكبر بما أحدثته الثورة من تحولات اجتماعية وما تركته من مؤسسات استفادت منها الصين لاحقا.

وفي دراسة نقدية نشرها الباحث جويل أندرياس، الأستاذ بجامعة جونز هوبكنز، في “المجلة الأمريكية لعلم الاجتماع” عام 2016، قارن بين معالجة والدر ومعالجة مايسنر، موضحا أن الأول يركز بصورة أكبر على إخفاقات النظام السياسي والاقتصادي، بينما يولي الثاني اهتماما أوسع بالتحولات الاجتماعية وطموحات المشروع الثوري، رغم انتقاده نتائجه.
لكن ماو رأى في هذه التوجهات خطرا على المشروع الاشتراكي، وحذر من تنامي نفوذ من اعتبرهم مؤيدين للرأسمالية داخل الحزب، قبل أن يطلق عام 1966 ما عرف باسم “الثورة الثقافية البروليتارية الكبرى”.

وشجع الزعيم الصيني الطلاب والشباب على مواجهة المسؤولين والمثقفين الذين اتُّهموا بمعاداة الثورة، فتشكلت جماعات “الحرس الأحمر”، وشاركت في حملات تشهير وعنف استهدفت أساتذة جامعات وكتابا وفنانين ومسؤولين حكوميين.

وشهدت الجامعات والمدارس والمؤسسات الرسمية جلسات إذلال علنية، عُلقت خلالها لافتات على أعناق أشخاص اتُّهموا بالانتماء إلى طبقات معادية للثورة، وتعرض بعضهم للضرب والاعتقال، بينما طالت حملات التطهير قادة بارزين داخل الحزب نفسه.

وكان من أبرز الضحايا ليو شاوتشي، الذي أُقصي من مناصبه وتعرض للاضطهاد السياسي، قبل أن يتوفى في الحبس عام 1969، بعدما كان واحدا من أهم قادة الدولة التي أسسها ماو.

ومع تصاعد الصراعات بين الجماعات المتنافسة، تدخل الجيش لإعادة فرض السيطرة في مناطق مختلفة، ورافقت تدخله حملات قمع واسعة، مما جعل العنف خلال الثورة الثقافية يتخذ أشكالا مختلفة باختلاف المرحلة والجهات التي نفذته.

وفي دراسة بعنوان “التمرد والقمع في الصين بين عامي 1966 و1971″، نشرت عام 2014 في مجلة “تاريخ العلوم الاجتماعية”، حلل المؤرخ أندرو والدر، الأستاذ بجامعة ستانفورد، سجلات تاريخية من 2213 مقاطعة ومدينة صينية لتقدير حجم العنف السياسي خلال السنوات الخمس الأولى من الثورة الثقافية.

وخلص والدر إلى أن الوفيات المرتبطة بالاضطرابات والقمع خلال تلك الفترة تراوحت بين 1.1 و1.6 مليون شخص، بينما تعرض ما بين 22 و30 مليون شخص لأشكال مختلفة من الاضطهاد السياسي المباشر.

وأشار الباحث إلى أن معظم الوفيات التي أمكن تقديرها ارتبطت بالقمع الذي مارسته السلطات، وليس بأعمال الجماعات المتمردة وحدها، وهو ما يوضح أن المسؤولية عن العنف لا يمكن حصرها في جماعات الحرس الأحمر.

وامتدت الثورة الثقافية، بمراحلها المختلفة، حتى وفاة ماو في 9 سبتمبر/أيلول 1976، قبل أن تنتهي رسميا في الشهر التالي بعد اعتقال المجموعة القيادية التي عرفت باسم “عصابة الأربعة”، وضمت جيانغ تشينغ، زوجة ماو.

وقد خلّفت تلك السنوات اضطرابات واسعة في مؤسسات الدولة والتعليم والاقتصاد، وأدت إلى صراعات داخل الحزب، قبل أن تبدأ القيادة الجديدة مراجعة السياسات التي حكمت البلاد خلال العقد السابق.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى