اقتصاد واعمال

“الثقة” لا الذكاء الاصطناعي.. سرّ ارتفاع تقييم سهم “أبل” القياسي

يبدأ الطراز الأساسي من هاتف “آيفون” الجديد ذي الشاشة القابلة للطي بسعر 1999 دولاراً، في مستوى تسعير جديد يدخل به الشركة إلى مسار لم تختبره هواتفها من قبل. ورغم ذلك، يبدو سهم “أبل” أكثر غلاء من الهاتف نفسه، إذ يتم تداوله عند 36 ضعفاً للأرباح المتوقعة للسنوات المقبلة، وهو مضاعف تقييم لم تشهده الشركة منذ الأيام الأولى لإطلاق “آيفون”، حين كانت تنمو بوتيرة فائقة السرعة.

وخلال هذا الصيف، حققت “أبل” علاوة تقييم واضحة ومستمرة تفوقت بها على نظرائها من عمالقة التكنولوجيا، إذ تتداول “مايكروسوفت” بمضاعف 25، و”ألفابت” بمضاعف 26، و”أمازون” بمضاعف 27، و”إنفيديا” بمضاعف 18، و”ميتا” بمضاعف 21، ولا تتفوق على “أبل” في نسبة السعر إلى الأرباح ضمن مجموعة “السبعة الكبار” سوى شركة “تيسلا”.

ولم تكن “أبل” قد اقتربت من صدارة جدول التقييمات ولو للحظة قبل أواخر العام الماضي، إذ ظل مضاعف تقييمها مكبوتاً لسنوات طويلة بفعل مخاوف من أن هيمنتها على سوق الهواتف الذكية قد تكون عابرة، على غرار ما حدث سابقاً مع “نوكيا” و”بلاكبيري”، إضافة إلى تباطؤ معدل نموها مقارنة بشركات التكنولوجيا الكبرى، وهي نقطة لا تزال قائمة حتى اليوم، إذ تتوقع الأسواق نمو أرباح “أبل” بمعدل أحادي الرقم خلال السنوات القليلة المقبلة، وهو أبطأ من منافساتها الكبرى، فضلاً عن تحديات إضافية تتعلق بتضخم تكاليف المدخلات وتباطؤ نمو قطاع الخدمات.

ورغم كل ذلك، يواصل تقييم “أبل” التفوق على منافسيها، وهو ما يفسره المحلل ديفيد فوجت، من بنك “يو بي إس”، بميل الشركة إلى اتخاذ مسار معاكس للدورة الاقتصادية من زاوية الشهية للمخاطرة، موضحاً أنه في ذروة الحماس للذكاء الاصطناعي قبل عام أو عامين، لم تكن هناك أي علاوة تقييم تُذكر لشركة “أبل”، لكن ما تغيّر هو تصاعد التقييم القائل بأن ضخ مليارات الدولارات في النفقات الرأسمالية لدعم مطوري نماذج الذكاء الاصطناعي قد لا يكون الاستثمار الأمثل، وهو ما جعل “أبل” تقف خارج حلبة الصراع المالي المحموم حول الذكاء الاصطناعي.

وحتى قبل الموجة الأخيرة من القلق إزاء المخاطر الوجودية لنماذج الذكاء الاصطناعي المتقدمة، كانت الأسواق تعبّر عن عدم ارتياحها لصفقات هذا القطاع، عبر منح “أبل” هذه العلاوة السعرية. ولا تقتصر ميزة “أبل” على غياب مخاطر الذكاء الاصطناعي فحسب، بل تبيع الشركة “الثقة” في عالم يفتقر إليها بشكل متزايد، إذ تشكل الخصوصية حجر الزاوية في عرضها التسويقي، فقد اعتاد الرئيس التنفيذي السابق تيم كوك التأكيد في كل عرض تقريباً على تعهد “أبل” بحماية بيانات العملاء حتى من الشركة نفسها، وسار الرئيس التنفيذي الجديد جون تيرنوس على النهج ذاته خلال حفل إطلاق الهاتف الجديد، إذ يعمل نظام “أبل إنتليجنس” محلياً على الجهاز كلما أمكن، معتمداً على “سحابة خاصة” مشفرة فقط عند الحاجة إلى قوة معالجة إضافية.

وقد نجح هذا الطرح التسويقي في ترسيخ ولاء عملاء “أبل”، إذ نادراً ما يتحول مستخدمو “آيفون” إلى علامات تجارية أخرى، وهي الثقة التي تفتقر إليها شركات الذكاء الاصطناعي حالياً، والتي ستحتاج إلى بنائها إذا أرادت الارتقاء إلى مستوى توقعات “وول ستريت”. وتُبنى الثقة على المسؤولية والمحاسبة، إلا أن شركات الذكاء الاصطناعي، من عمالقة السحابة مثل “جوجل” إلى مطوري النماذج مثل “أوبن إيه آي” و”أنثروبيك”، لم تُظهر استعداداً حقيقياً للخضوع لمساءلة مماثلة، وبدلاً من ذلك وجّهت تركيزها نحو ما ينبغي أن تقوم به جهات أخرى كالصناعة والحكومات، ومن ذلك دعوة داريو أمودي، الرئيس التنفيذي لشركة “أنثروبيك”، إلى “توقف مؤقت” للصناعة، وهي دعوة يمكن قراءتها كاستراتيجية لتوزيع المسؤولية بدلاً من تحمل الشركة نفسها عبء سلامة منتجاتها.

ويرى الكاتب أن الثقة ستظل غاية بعيدة المنال ما لم تبدأ شركات الذكاء الاصطناعي بتقديم التزامات صارمة على غرار ما فعلته “أبل” مع الخصوصية، لكن هذا لا يعني أن علاوة تقييم “أبل” محصنة تماماً في عصر الذكاء الاصطناعي، إذ تسعى الشركة إلى أن تكون أجهزتها البيئة الأفضل لاستضافة خدمات الذكاء الاصطناعي، ولتحقيق ذلك دون إنفاق مئات المليارات على بنية تحتية خاصة، ستعتمد نماذجها التأسيسية على البنية التحتية لشركة “جوجل”، ما يطرح تساؤلاً حول قدرة هذا التعاون، وما يرافقه من فقدان جزئي للسيطرة، على تقديم تجربة مستخدم ممتازة مع الحفاظ على وعد الخصوصية. وغالباً ما تُوصف “أبل” بأنها “حديقة مسورة” تراعي تجربة المستخدم بعناية، إلا أن طبيعة الذكاء الاصطناعي تميل إلى كسر الأسوار، ما يعني أنه بقدر ما يتعين على شركات الذكاء الاصطناعي الاقتداء بنموذج “أبل” في بناء الثقة، سيتعين على نموذج “أبل” نفسه أن يتطور أيضاً.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى